عبد القاهر الجرجاني

128

دلائل الإعجاز في علم المعاني

وهاهنا نكتة يجب القطع معها بوجوب هذا الفرق أبدا ، وهي أن المبتدأ لم يكن مبتدأ لأنه منطوق به أوّلا ، ولا كان الخبر خبرا لأنه مذكور بعد المبتدأ ، بل كان المبتدأ مبتدأ لأنه مسند إليه ومثبت له المعنى ، والخبر خبرا لأنه مسند ومثبت به المعنى . تفسير ذلك : أنك إذا قلت : " زيد منطلق " فقد أثبتّ الانطلاق لزيد وأسندته إليه ، فزيد مثبت له ، ومنطلق مثبت به ، وأما تقديم المبتدأ على الخبر لفظا ، فحكم واجب من هذه الجهة ، أي من جهة أن كان المبتدأ هو الذي يثبت له المعنى ويسند إليه ، والخبر هو الذي يثبت به المعنى ويسند . ولو كان المبتدأ مبتدأ لأنه في اللفظ مقدّم مبدوء به ، لكان ينبغي أن يخرج عن كونه مبتدأ بأن يقال : " منطلق زيد " ، ولوجب أن يكون قولهم : " إن الخبر مقدّم في اللّفظ والنّيّة به التأخير " ، محالا . وإذا كان هذا كذلك ثم جئت بمعرفتين فجعلتهما مبتدأ وخبرا فقد وجب وجوبا أن تكون مثبتا بالثاني معنى للأول . فإذا قلت : " زيد أخوك " ، كنت قد أثبتّ معنى لزيد ، وإذا قدّمت وأخّرت فقلت : " أخوك زيد " ، وجب أن تكون مثبتا بزيد معنى لأخوك ، وإلّا كان تسميتك له الآن مبتدأ وإذ ذاك خبرا ، تغييرا للاسم عليه من غير معنى ، ولأدّى إلى أن لا يكون لقولهم " المبتدأ والخبر " فائدة غير أن يتقدّم اسم في اللفظ على اسم ، من غير أن ينفرد كل واحد منهما بحكم لا يكون لصاحبه . وذلك ممّا لا يشكّ في سقوطه . وممّا يدلّ دلالة واضحة على اختلاف المعنى ، إذا جئت بمعرفتين ، ثم جعلت هذا مبتدأ وذلك خبرا تارة ، وتارة بالعكس ، قولهم : " الحبيب أنت " ، و " أنت الحبيب " ، وذاك أن معنى " الحبيب أنت " ، أنه لا فصل بينك وبين من تحبّه إذا صدقت المحبّة ، وأنّ مثل المتحابّين مثل نفس يقتسمها شخصان ، كما جاء عن بعض الحكماء أنه قال : " الحبيب أنت إلّا أنه غيرك " . فهذا كما ترى فرق لطيف ونكتة شريفة ، ولو حاولت أن تفيدها بقولك : " أنت الحبيب " ، حاولت ما لا يصحّ ، لأن الذي يعقل من قولك : " أنت الحبيب " هو ما عناه المتنبي في قوله : [ من البسيط ] أنت الحبيب ولكنّي أعوذ به * من أن أكون محبّا غير محبوب " 1 "

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 214 ) وهو آخر بيت في قصيدة في مدح كافور ، وقبله : يا أيها الملك الغاني بتسمية * في الشرق والغرب عن وصف وتلقيب ومعنى البيت : يقول : أنا محبك وأنت محبوب لي ، وأعوذ بك من أن لا تحبني فإن أشقى الشقاوة أن تحب من لا يحبك كما قال ومن الشقاوة أن تحب ولا يحبك من تحبه . التبيان للعكبري ( 1 / 126 ) .